لا تخف، لا تحزني

تأخذ قصة موسى – عليه السلام – في القرآن بتلابيب قلبي، في كل مرة أقرؤها أشعر وكأن قلبي سيخرج من مكانه من فرط جمال المعاني العذبة التي فيها وتجلي عظيم لطف الله وعنايته ورحمته

حين يأمر الله موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون لدعوته للتوحيد، فيرد عليه موسى عليه السلام “إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني…” فماذا قال الله له؟ قال “سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما”
فأعطى أخوه النبوة لأجل دعوته وليشد من أزره وأعطاه الأمان
وفي موقف آخر حين ذهب ناحية الضوء أو النار فكلمه الله وأمره بإلقاء عصاه، ماذا حدث لموسى عليه السلام حينها؟ قال تعالى” ولى مدبرا ولم يعقب ” فماذا قال الله هل عاتبه على ذهابه؟ أبدا بل قال له في منتهى الرحمة واللطف :” يا موسى أقبل ولا تخف ” ومرة عقبتها إنك من الآمنين وفي آية أخرى إني لا يخاف لدي المرسلون


استشعار أن الله سبحانه وتعالى هو من يطمئنه هو من يذهب عنه خوفه هو من يقول له في كل مرة لا تخف، يا موسى لا تخف، يا الله ما أعظمك وما أهنأ من أحببته واصطفيته ليس هذا فحسب بل سرعة موسى في الإفصاح عن مشاعره في إظهار خوفه لربه وهو المؤيد من ربه وهو الرسول عظيم القدر والمكانة وهو الذي حماه الله من فرعون وشره وجبروته مذ كان طفلا رضيعا لم يتردد عن أن يقول لله أنه خائف لم يقل أنا نبي أنا رجل كبير لم يتجرد من إنسانيته ولم يواري مشاعره بل أظهر ضعفه وانكساره لخالقه فأمنه وربط على قلبه وأيده

ان خاف أبناؤكم لا تقولوا لهم أنتم رجال والرجال لا يخافون الرجال لا يبكون لا تجردوهم من انسانيتهم بل علموهم كيف يتخطون خوفهم علموهم أن الخوف ليس ضد الرجولة وليس عيبا يسيء لهم،

ليس يضرك أن تخاف مايضر هو أن تكون أسير خوفك، ليس الشجاع من لا يخاف بل هو من يواجه مخاوفه ويتخطاها



في قصة أم موسى ومريم كيف خفف الله من هول الموقف الذي كانتا فيه حين ألقت أم موسى رضيعها في النهر فقال لها :”لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين”

يالله أي عناية ورحمة تلك ما أعظمك يا ربي أمن خوفها وبشرها برده لها بل وأعظم من ذلك بشرها بأنه سيكون رسولا يهتدى به لتوحيد الله وإعلاء كلمته

وفي قصة مريم العذراء ساعة ولادة عيسى عليه السلام وكيف تمنت لو أنها ماتت ولم تكن من هول الهم الذي أصابها فماذا حدث؟ علم الله كيف أن موقفها كان شاقا عليها فلم تتمنى الموت اعتراضا منها على قضاء الله بل ما ألم بها من هول الموقف فأرسل لها الله الرحيم العليم بحالها من يهون عليها شدتها، قال تعالى ” فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ” ليس هذا فحسب لم يخفف حزنها ويطمئنها فقط بل ودلها على ما يخفف عنها تعبها أيضا “وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا”

علم بهمها الذي تحمله في قلبها ما أن يسمع الناس بإنجابها وهي العفيفة الطاهرة العابدة فعرفها ما عليها فعله ورفع عنها هذا العبء فقال تعالى “فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ” وحين سألها قومها عن وليدها مستنكرين كان معجزة الله حين أنطق عيسى عليه السلام وهو الوليد الرضيع! ليدفع الشبهة عن أمه ويبرئها من افتراءات قومها وأخبرهم أنه رسول لهم من عند الله

هون حزنها وخفف تعبها وانطق رضيعها لأجلها، ما أرحمك يارب وما أعظم أفضالك على من حفظك وعبدك واتقاك وخافك وأحبك، مريم عليها السلام كانت دعوة أمها” رب إني وضعتها أنثى “” وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نبات حسنا ” كونوا الدعوة الصالحة لبناتكم وأولادكم التي تبقى لهم وتصلحهم لدنياهم وآخرتهم اللهم اجعلنا في تقوى وخلق ومكانة من قلت لهم لا تخف ولا تحزني واصنعنا على عينك ولا تحرمنا من فيض لطفك ورحمتك وكرمك وفضلك

٢٢ رمضان ١٤٤٢ هـ

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s